فلسطين في قلب مهرجان ميديلين:ستخرج الحياة خالية من الحديد:

فلسطين في قلب مهرجان ميديلين:ستخرج الحياة خالية من الحديد:

غراسيا اليزابيث بارغيللو

يعدمهرجان ميديلين للشعر، أحد أبرز وأعرق الفعاليات الثقافية العالمية في مجال الشعر والفنون الأدبية الأخرى، نظرًا لتاريخه وعمقه والتزامه، وقد استقطب آلاف الأشخاص في كولومبيا في شهر يوليو/تموز من هذا العام. جمع فرناندو ريندون، مدير المهرجان ورئيس حركة الشعر العالمية، 60 شاعرًا من 45 دولة عبر جميع قارات العالم. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تصبح فلسطين بصوت مراد السوداني، محور المشاعر وتعبيرات التضامن من جانب جميع الحضور من خلال الكلمات والأغاني والدموع. “أغنية حب العالم لغزة”، هي مبادرة من نفس حركة الشعر العالمية، لا تزال تجد صدى، حيث عبّر 170 شاعراً من 110 دولة حول العالم عن مشاعر تضامننا مع غزة، فلسطين.
كولومبيا، بلد التنوع الطبيعي والثقافي اللامحدود، تنسج في مساراتها المتعرجة والمتعرجة جذور السكان الأصليين، الأفريقيين الكولومبيين، وغيرهم من الجذور ذات الأصول المتنوعة. تُعطر هذه الأرض ذبذبات كل ما ينبت ويُثمر بسخاء، كالموسيقى. في هذه الأثناء، تشهد البلاد إحدى أهم لحظات تاريخها، جميلةً بقدر ما هي صعبة، متشابكة مع أحداث العالم. رغم أن البشرية تمر بلحظات بالغة التعقيد، وحالات عنف شديد تفاقمت بفعل التفاوتات الاجتماعية المتداخلة مع الأزمات البيئية، فإن مهرجان ميديلين الدولي يؤكد أن “… الشعر فن، ولكنه ليس ترفًا؛ إنه فعل مقاومة روحية واجتماعية عميقة. الشعر يغذي الروح ويبني جسور الأمل والسلام والعدالة.
الحوار حول غزة. ريندون وسوداني
كان من أبرز فعاليات المهرجان حوارٌ بين مراد السوداني وفرناندو ريندون. صدحت كلمات السوداني القوية والعميقة، الأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، في مدرج كلية الآداب في أنتيوكيا، بترجمة الشاعر ميشيل شورت. استمع حشدٌ من الناس لساعتين في صمتٍ مطبقٍ لتاريخٍ حافلٍ بما لا نطيق حدوثه في هذا العالم.
تحدث السوداني عن الإبادة الجماعية، والحصار، والاحتلال الإقليمي، ومحاولة محو فلسطين ثقافيًا وعرقيًا، ليس فقط في غزة، بل أيضًا في الضفة الغربية. الحقوق، ومقاومة الشعب لتاريخ مُنكر، ومكانة الشعر. “… واصل الاحتلال حربه الوحشية على فلسطين لمدة 75 عامًا، ولا يزال العدو يقتل شعبنا ويدمره وينهبه ويسجنه. ويواصل مجازره المتجددة ضد الشعب الفلسطيني في كافة أنحاء فلسطين، ويستمر في تزوير التاريخ وخداع الرأي العام العالمي بأكاذيبه. “هذه المرة تجاوزت المجازر والإبادة التي يمارسها هذا الإحتلال كل الحدود، فدمر غزة عبر محاولة إبادة وهدم المنازل فوق رؤوس المدنيين الآمنين، وأعماله ضد القدس والضفة الغربية…”
“لا يوجد شعر دون البحث عن العدالة والحرية والاستقلال” قال السوداني. غزة عبارة عن سجن مفتوح، لا يوجد ماء أو دواء، والناس يسقطون بسبب استحالة الحصول على الغذاء. إنها قبر يظهر على شاشات تلفاز الأطفال الآخرين. فقط أولئك الذين يناضلون من أجل التحرر وحكومات قليلة جدا هم الذين تحركوا ضد هذا المستوى من الظلم. إن وسائل الإعلام تمنع الشفافية فيما يتعلق بما يحدث لأنها تحافظ على رواية مختلفة تحاول إيجاد تبرير لهذا الرعب. لقد تم كشف كذب وخداع العالم الذي يتحدث عن الحقوق، وتبين أنه خطاب فارغ لا أكثر. إن الإنسانية تفشل أمام الوضع في غزة.
في حين أن الصور والأرقام تهز العالم، إلا أن هناك شهادات وحقائق موثقة بالكامل عن الإبادة الجماعية والفصل العنصري والإبادة البيئية في فلسطين. لكن السوداني قال إن هناك خطط مظلمة للغاية تجري.
المحو التاريخي والثقافي
لقد سعى الإحتلال لمحو التاريخ والرمزية والذاكرة الفلسطينية لأكثر من مئة عام، منذ قيام دولة “إسرائيل” عام ١٩٤٧، وحتى قبل النكبة التي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا. العنف ليس جسديًا فحسب، بل رمزي وثقافي أيضًا.
ومنذ بداية الاحتلال، قاموا بتدمير أو إعادة تعريف الأماكن الثقافية والمقدسة.ويتم الاستيلاء على عناصر من الثقافة الفلسطينية ذات قيمة رمزية هائلة وكأنها ممتلكات إسرائيلية.يعود تاريخ الكوفية، الملابس، الطعام، المحاصيل والآثار الرمزية إلى حضارة قديمة جدًا، متجذرة في هذه الأرض منذ أكثر من 5000 عام. لقد دمروا أو استولوا على المتاحف والمكتبات والمطبوعات ودور النشر. .في فلسطين تاريخ عظيم يعود إلى ماضٍ بعيدٍ جدًا، ولذلك دمروا أيضًا الجامعات والمدارس والمساجد.
لقد تم اغتيال خمسين كاتبًا و220 صحفيًا. لقد اختفى أو سُجن أكثر من مائة طالب جامعي. هناك أكثر من 20 ألف شخص تحت الأنقاض، ولا أحد يعرف عنهم شيئاً. ويستشهد السوداني بحالة أحد قادة اتحاد الكتاب الفلسطينيين الذي سبق أن اغتالت إسرائيل والده في عام 1970.  لقد تم محو 3500 شخص من أي سجل مدني.
“الساعة التي تستمر في التحرك”
إن اغتيال الكتاب والمثقفين مستمر منذ مئة عام، حتى أن جزءاً من اتحاد الكتاب انتقل إلى لبنان. ويذكر السوداني الكاتب والناشط الفلسطيني الكبير غسان كنفاني الذي استشهد خلال هجوم في بيروت. وأضاف السوداني أن “ساعته ظلت تدق، بمعنى رمزي قوي للحياة، حتى تم تحرير فلسطين”.
خلال النكبة، تم تهجير 900 ألف إنسان خارج فلسطين. ويقدر الآن عدد الفلسطينيين المنفيين بنحو سبعة ملايين نسمة، ولكن “النصر على الروح والوعي الفلسطيني لم يتحقق بعد”. رغم النار والموت، هناك كتّاب ومبدعون ما زالوا يحملون الثقافة الفلسطينية في أعلى مستوياتها. “في فلسطين، يُكتب التاريخ بحبر دماء الشهداء. ومنذ البداية، كان أحد شعارات اتحاد الكتاب الفلسطينيين: “بالدم نكتب فلسطين”. ولهذا السبب فإن كل ما كتب أو أنتج في فلسطين يختلف عن أي شيء آخر في العالم”.
“عندما تشعر بما حدث في ميديلين، وكل هذا الحماس تجاه فلسطين، يمكنك أن تقول إننا لسنا وحدنا”، يقول السوداني. “يحتاج المبدعون والكتاب الفلسطينيون إلى نشر أصواتهم، فهم بحاجة إلى صوت العالم أجمع”.
الاحتلال والإبادة الجماعية والصمود
رغم كل العنف الذي تمارسه القوة المحتلة، يواصل الشعب الفلسطيني النضال من أجل البقاء في أرضه، حيث جذوره التاريخية والثقافية. “ترتكب إسرائيل مجزرة في غزة، لكنها تتجه صوب القدس في الضفة الغربية”. وتتزايد عملية احتلال المستوطنين، بدعم من الجيش الإسرائيلي، بشكل مكثف. إنهم يستولون على الأراضي، ويدمرون المنازل والمحاصيل، ويحاصرونها، ويقيمون أكثر من ألف نقطة تفتيش، ويطردون السكان أو يحتجزونهم ، الرجال والنساء وحتى الأطفال. القدس مدينة يتم محو هويتها وتراثها المسيحي والإسلامي بشكل ممنهج، ويتم شن هجمات على المسجد الأقصى والأماكن المقدسة الأخرى لأنهم يريدون تغيير الوعي الفلسطيني. لكن فلسطين قاومت لمدة مائة عام وتستمر في رفع علمها، كما ذكر السوداني.
“أود أن أقول لكتّاب أمريكا اللاتينية: علينا مقاومة هذه الهجمات على الروح والفكر. على المثقفين والكتّاب الدفاع عن ضمائرهم في ظلّ القمع، وألا ينجرفوا وراء المال والجوائز الزائفة. إذا تم شراء قلب المثقف ويده وضميره فإنه لم يعد مثقفاً” هذا ما قاله السوداني.
“ميديلين هي عاصمة الجمال والشعر التي آوتنا وأعطتنا السعادة. إن ما رأيناه وسمعناه، ليس فقط من الشعراء والمثقفين، بل أيضاً من مشاعر الناس تجاه فلسطين، مهم جداً بالنسبة لنا. وتستمر كولومبيا في قول “لا” لسياسة إسرائيل وتتمسك بموقفها لأنه يدافع عن الإنسانية. وأود أن أختم كلمتي بهذه العبارة: من يكتب يقاوم، ومن يقاوم ينتصر… عاشت فلسطين!

 صفّق الجمهور تصفيقا حارا للسوداني لعدة دقائق، وعبّروا عن مشاعرهم ودعمهم لفلسطين من خلال الأغاني والكلمات.
قال فرناندو ريندون: “لقد أوضحت كلمات سوداني بوضوح كل ما هو على المحك في هذا العالم”. علينا أن نقف إلى جانب البلدان العربية التي تعاني من الكثير من الضغوط والكراهية والعنف رغم نفوذها الثقافي الهائل، وخاصة في إسبانيا والأميركيتين، رغم تأثيرها على الفن والفكر والشعر. في المقابل، علينا أن نكون يقظين للدفاع عن مبادرة تاريخية ندعمها في كولومبيا. علينا أن نقف إلى جانب الشعب الذي يناضل من أجل الحياة، والحرية، والسلام، وضد النهب، والظلم، والإذلال، والعبودية.

في حفل ختام مهرجان الشعر الدولي، جدد آلاف الأشخاص التزامهم وتضامنهم مع فلسطين. كما تم التوقيع على إعلان التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة… ضد الإبادة الجماعية والتدمير الثقافي من قبل 46 شاعراً من مختلف البلدان.

شاعرة ومحامية من الأرجنتين
ترجمة الزميلة سارة ياسين

الصورة/ بوستر للمكسيكية سيلفيا ليسا

Scroll to Top